السيد كمال الحيدري

70

معرفة الله

أو أنّ المُخلَصين هم في الأصل يمثّلون درجة أو مرتبة أو طبقة من طبقات المُخلِصين وهي أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها المُخلِص فيحصل له الاجتباء والانتخاب والاختيار والاستخلاص لهم ، فهم قُطب الرحى في دائرة المُخلِصين . وقد يقال أيضاً : كيف حصل لهم هذا الاجتباء والاستخلاص دون أن يمرّوا بمراتب ومراحل التزكية الموصلة إلى هذا المقام ؟ والجواب : هو أنّ الله تعالى علم منهم أنّهم لا يُريدون إلّا هذه المرتبة السامية ، فاجتباهم واستخلصهم لنفسه ، فصرف عنهم دائرة السوء والفحشاء والأغيار ومطلق الشوب ، فصارت المُخلِصية التي أنالها الله تعالى لهم قبل أوان وصولهم إليها لعلمه تعالى بهم هي بمثابة العلّة الحقيقية التي دُفع بها عنهم السوء والفحشاء ، وهذا الدفع بالمخلَصية لا يُغيّر في المخلَصين الطبيعة الإنسانية المترسِّخة على أساس الإرادة والاختيار في أداء أفعالهم ومطلق تصرّفاتهم ، فلا يكون الفعل منهم على نحو الإجبار . فالمُخلَصية والاجتباء والعصمة تعزّز في الشخص قوّة الإرادة وتزيد فيه من درجة العلم فتبدو الأشياء أمامه على حقيقتها لا غُبرة عليها . فلا يكذب ؛ لأنّ حقيقة الكذب قد تجلّت أمامه ، ولا يأكل مال اليتيم ؛ لأنّه عرف حقيقة الأكل هذه على نحو المعاينة والمشاهدة ، لا على نحو التصوّر الذهني فحسب . فهو قادرٌ على اقتراف ذلك ولكنّ المُخلَصية والاجتباء والعصمة عزّزت فيه البصيرة ورفعت عنده درجة العلم ولم تسلبه الإرادة والاختيار . ولذا فإنّ مثل هذه الطبقة وإن كانت لا تقترف صغائر الذنوب فضلًا عن كبائرها ، نجدها تُهدَّد وتُتوعَّد بوعيد إلهيّ بإحباط أعمالها إن أشركت